الأحد، 10 أبريل، 2011

بارتيلا رواية أحمد منتصر





بارتيلا

رواية

أحمد منتصر



علشان حبيب زي الغزال

يوماتي أهجر حينا

وكل واحد عني قال عاشق

عاشق وقلبه مش هنا

أغنية ساكن في حي السيدة

لمحمد عبد المطلب


هل تؤمن بالقدر؟

ربما لم أكن أنوي العروج على بارتيلا هذا الصباح بيد أن أثارتني فكرة التواجد ببار شبه خال يذروه الفراغ أتمتع بزجاجة البيرة وأحدق في الهواء. لذلك ألقيت السلام على عم جلال وجلست إلى مائدتي المفضلة متطلعًا إلى شاشة التلفاز بالأعلى والتي دومًا تعرض حاجات سريالية كبرامج قناة النيل للسينما. أو فيلم لم تره من قبل كفيلم الحب في الثلاجة. جاءني عم جلال بالزجاجة الخضراء وفتحها لي لأتجرّع رشفة طويلة مُرة بلون الأصفر. الكائنات الفضائية على الشاشة تتراقص وأنا أضحك مذكرًا نفسي أنه ما زال فيلمًا عربيًا بطولة يحيى الفخراني. وتتوضأ الهالات المبهرة خلف يحيى والديك العملاق الذي وددت أن أسمع صوته.


مساء الخير.. أقالتها ملك وهي تدلف إلى البار؟.. أقالتها وهي تخلع سترتها وتبقى بالحمالات؟.. أقالتها وهي تضع السيجارة السوبر في فمها وتخرج خمستين لعم جلال؟.. ألعن الخزعبلات وأنتظر ملك كي تبدأني بالحديث.. الخافت.. المتعالي أحيانا. لا أدري هل أطيقها أو أمقتها؟.. ضربات الصداع وفقدان ضغط الدم بدأت تنتابني:

- ده مس من شيطان رجيم.. أنا مش ممسوسة! والقرآن والإنجيل ذكروا ده.. الشيطان موجود.. دي عقوبة من الله وأنا راضية.. (تأخذ نفسًا).. شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول وزورًا.. (تتابع النظر إلى السقف).. ده مس من إبليس اللعين!


يا ألله! بدأت السمفونية.. أحاول متابعة الثلاجة على الشاشة مستغربًا من شارب يحيى العجيب. وتذكر أبدًا.. لا تدخل على مديرك غرفة مكتبه بلا طرق.. ذلك أن يكون مفترشا السكرتيرة!


الصواب هو عملية خلق أخطاء بصورة صحيحة. ما الفكرة إلا استيحاء لفعل على استحياء. والخلق ماضون.. نحو آفاق أرحب..


- غادة إزيك؟ عاملة إيه يا حبيبتي؟.. أنا في القاهرة. قاعد على كافتريا.. هه هه قهوة يعني!.. مش جاية ولا إيه؟.. همممم.. طب حاولي كده..


Waiting..



- حبيب قلبي!.. إزيك يا باشا؟.. واحشني والله.. لا لسه.. مش عارف.. عموما حسألك وأقولك.. الله يخليك يا باشا.. سلام!


النظر إلى الشاشة ثم إلى ملك ثم إلى عم جلال ثم إلى الكوب لأرتشف رشفة ثم إلى السيجارة اللافحة لأسحب نفسًا ثم إلى الترمس لأتناول بضع حبات ثم لا أدري ماذا أفعل بعد؟. هل الأمر يستحق أن أخفي حقيقتي؟..


عزيزتي سها..

تحياتي القلبية وسلامي للوالدين العزيزين.

أما بعد،

فقد ارتأيت أن أحكي لكِ عما حدث عبر خطاب عادي. خطاب كتلك الخطابات التي كانت سائدة زمان. لمَ!.. أعتقد أنه حب الاستظراف لطالما مللته. لطالما عشقته. فليكن صبركِ طويلا إذن.

ها نحن بين بستان مورق في رحاب وادي النيل فوق القاهرة على الخريطة. أحببتك ورغبتك معي بهذا الفستان الورديّ لما تصادفنا. للأسف لا يفهم الأهلون مدى تعلقنا بالحرم الجامعي وذهابنا بمناسبة وبدون مناسبة إليه والمكث ساعات طوال على الحدائق والمصاطب هناك. إنهم لا يفهمون. نحن ذوي خيال واسع وحماسة جارفة تجعلنا ننزل من بيوتنا في عز الصقيع والنيران ونمكث أحيانا بالبيوت في الخريف والربيع نستجم.

لكن دعكِ من كل هذا. إنني ومن مقامي بهذا المسجد العتيق سيدنا الحسين أتضرع أن نبقى معًا طول العمر. نتجاذب أطراف الحديث على الأريكة الخرقاء. نتناول من كل صنف ولون من صحفة أمامنا. تتلاقى الأعين، والشفاه في نعاسة وخواء.


عزيزتي سها..

أتذكرين يوم اصطدمت بكِ خلسة؟.. لحظتها كنتِ قد أخرجتِ أحمر شفاهكِ وشرعتِ بدهن الشفاه لولا أن ارتطمت بكِ فعكرت صفو وجهك بأحمر قميء!.. أعترف أني حاولت أكتم نفسي من الضحك ولكني لم أستطع. ولم تفلح اعتذاراتي وتوسلاتي للاعتذار إلا لتبتسمي لي ثانية بكل لآلئك.

سها.. أنا أحبك. أنا أعزك. أنا أربأ بظني بكِ عن مساوئه ومحاسنه. حتى ظني لا يعرف الحدود. ظن المتيم بشجرة الحياة النضراء.

أتساءل أيحق لي مناداتك بحبيبتي؟.. هل تغفرين لي نزواتي وهفواتي؟.. أنا الطفل الفقير.


يحيى يوضع في كيس أسود كذبيحة بعد ما كان معلقا من رجليه وفمه مكتوم. يحمله الرجال الملثمون إلى الخارج. وخارج المشرحة يتم نقله في سيارة إلى المجهول.


زجاجة أخرى يا عم جلال. آه.. لم أشعر بنفاد الأولى رغم مرارتها. أختلس نظرة إلى ملك وأعيد ترتيب أفكاري. بينما يبدأ الرجال بالولوج كل واحد يجلس في ناحية. يتعارفون. ويبدأون المجاملات السمجة. ثم تدور أدمغتهم بعد برهة ويبدأون في الحديث الحميمي وكأنهم أصدقاء منذ ألف سنة.


الحياة لم تعد كما كانت. لم يعد السفر بالبواخر مثل السابق. وأنا الذي تمنيت السفر عبر البحر. لعن الله الطائرات.. والطيارين.. والمضيفات الحسناوات.. ومخترعي الطائرة الأولى ماذا كان اسمهما؟


- أنا قعدت كذا سنة أشتغل في البحر. كانت أغلب حياتي في البحر. ويا سلام لما أفتح التلاجة بتاعة البار وأشرب إيشي بيرة أمريكاني وإيشي بيرة أسكتلندي!

- يا سلام!

- بس خلاص بقى السفر دلوقتي للدول بالبواخر معدش غير للهاي كلاس..

- ما ممكن تسافر على بواخر نقل البضايع!


ترى هل سألحق؟.. أعاود الاقتراب من المنضدة حتى لأكاد أنكفىء محاولا عزل نفسي عن المؤثرات الخارجية. على الرغم أني طالما شنعت على المتزمتين. فلتتجاوزني المعاصرة والحداثة إذن.. يجب أن أنهي ما بدأته.


عزيزتي منى..

أرجو ألا أكون قد أزعجتك برسالتي السابقة والتي طلبت منكِ فيها أمرًا لا بد لكِ من رفضه. غبي أنا إذ تصورت لحظة أن تقبلي. تقبليني وتقبليني وكأن ولا حاجة حصلت ما بينا. العفو يا أميرتي على النسيان. والمغفرة على الوقاحة.


يا للبؤس بدأتَ تتحدث مخالفا نفسك. أي عفو وأي سماح ترجوه؟ إن لم تكن مقتنعا فلم فعلت؟.. أم الآن حان وقت الاقتناع والتثبت المقيت؟.. كم أنت أحمق!


عزيزتي منى..

أعتذر عن إزعاجك مرة أخرى بنفس الحكاية وتردادها. هل ما زلتِ تبحثين عن لحن يناسب طيشي؟.. لقد أثارت فيّ فكرتك هذه الاستماع إلى موتسارت وبتهوفن.. الأول مقطوعاته طويلة والآخر أقصر.. لست متأكدًا بالطبع. ولكني لا أرى نفسي بهذا الإملال. وأعتقد أن شقاوة عينيك لا تعكس ضجرًا وأنا أفسحك.


قطع في البث.. ششش

تنويه من د. أمجد ماجد عتريس

(يتنحنح).. ثمة فيلم اسمه (الله يخليك) لم أشاهده ولم أعرف بصدوره، لكني وجدت في مقدمته كلمات لي تطري مخرجه الجالس بينكم!..


يا نهار إسود!.. لا أتلفت حولي في ذعر ولا أضع التجريس نصب عينيّ. أركز وأطقطق في ما أعمل. لا تدع السكينة تسرقك.


- ده مس من شيطان رجيم.. أنا مش ممسوسة! والقرآن والإنجيل ذكروا ده.. الشيطان موجود.. دي عقوبة من الله وأنا راضية.. (تأخذ نفسًا).. شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول وزورًا.. (تتابع النظر إلى السقف).. ده مس من إبليس اللعين!


أدور على القرى والمدن المنسية. أبحث عن ابن أتبناه أدبيًا. أجلس وسط الصالونات الخفية. أبتسم في سذاجة وسعادة منتشيًا. الابن الذي لا أود تحمل مسئوليته قد يكون فتى متلعثمًا يستمني كل ليلة على صورة فتاة شقية.


عزيزتي سارة..

لم نتحدث منذ دهر لكني طفقت كلما عرفت هذه أو تلك من الحمقاوات أتذكرك. بجمالك. ودلالك. وزينة عقلك. أتعرفين كم اشتقت إلى الملاحظات الذكية منكِ؟ أتدرين كم مرّ على آخر مرة سرت فيها معكِ بالعاصمة والناس يحسدونني وينظرون بدهشة فاغرين؟ أتعرفين أني تمنيت البكاء على فقدانكِ؟ وجرحكِ؟ وغضبكِ مني؟

هل يمكن أن أعود لحياتكِ ذات يوم؟ هل يمكن بعد أن مللت عدم ردك على الهاتف فمسحت صورك ورقم هاتفك ورسائلك اللطيفة؟


أحبكِ..


الآن وإلا فلا الموت يعمينا عن الحياة تتجلى الإشارات والعلامات لعن الله سوسر والبرجماتي الأول الذي أنسى اسمه دومًا الحياة تلال وردية أم مطبات سوداوية؟ أريد أن أخرج لا أستطيع أن أخرج الخروج ليس بهين ادخل الحمام لا ادفع أولا تمارين الجيم هل تمحوها البيرة؟ تعاريج الوجه هل تثقلها نوبات السكر؟ عامة أنا سأغمض عينيّ طلبًا للسلام.


أرض الضباب. أي غشاوة على عيوننا؟ الفتيان في ناحية والفتيات في أخرى. استديروا. غضوا أعضاءكم. أيها المنادي إننا لم نعد نرى بالأساس!


ضجيج هائل.. طرااااخ

ستاتيوس على الفيس بوك: قنبلة تنفجر بوسط البلد!


السكارى يترنحون. بعضهم يقيء والبعض ذاهلون. يجب أن أنهي ما بدأته. يجب أن.. يجب.. أن..


عزيزتي رويدا

يا ألله ما أحلى الاسم! وما أحلى القوام السمهري حين يلمع تحت الظلال. بشرتك النضرة دومًا كانت مناجاتي السريرية تولي إليها.

هل فات عشرون عامًا؟ قيد الذكرى أنا أم أنتِ؟ المال مفرق الأحباب وإن كان دومًا يجمعهم. أوتحسبين أني نفضت لكِ؟..


أعتقد أن إثم يحيى الدفين أنه رضي بالقليل وتمنى الكثير. بالأمس كان يلهو واليوم هو جيفارا آخر يسدد نظره إلى السماء. شتان بين فقير وفقير. الموت يأتي بغتة.


الزجاجة الثالثة.


قمت إلى العلماني وأهديته نسخة من فيلمي. الأستاذ علي أبو طالب. أرجو أن يعجبك الفيلم ومنتظر رأيك فيه. كتبت الإهداء لمّا عرف أنه هدية! ومن بعدها وهو يفيقني بالصياح باسمي لأنتبه لحديثه كلما سرحت. ولا إيه يا أستاذنا الكاتب؟


الدقائق الأخيرة.


ملك تصمت لأول مرة منذ سنوات. عم جلال اختفى. ومزيد من الرجال يدخلون على الرغم من الضجيج السادر بالخارج. يدخلون كالموتى. ادخلوا. ادخلوا. معذرة إلى قومكم. ادخلوا..


العلماني ما زال يتحدث. حكايات عن عبد المطلب وأم كلثوم وعبد الوهاب. يسأله أحد الرجلين في خبث: إيه رأيك ف عمرو دياب؟ فيجيب في حكمة: بعض أغانيه تعجبني.


كلام في كلام في كلام في كلام في كلام في كلام في كلام في كلام في كلام وكلام يجر الكلام. اقذفني يا محيط لبر الأمان.


- ده مس من شيطان رجيم.. أنا مش ممسوسة! والقرآن والإنجيل ذكروا ده.. الشيطان موجود.. دي عقوبة من الله وأنا راضية.. (تأخذ نفسًا).. شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول وزورًا.. (تتابع النظر إلى السقف).. ده مس من إبليس اللعين!



ديسمبر 2010



عن الكاتب:

أحمد منتصر من مواليد 1986 يعيش بطنطا والإسكندرية.

كاتب ساخر.

ناقد برجماتي وجودي.

كاتب صحفي وروائي.

محرر كتب ومصحح لغة عربية.

مدير دار نشر ومكتبة طنطا بوك هاوس.

أحد الناشطين بساقية الدلتا الثقافية بطنطا.


صدر له:

أبو سنة رواية نسخة إلكترونية 2008.

ملحد مسلم (تحت النشر) 2009.

ربنا يهديك مقالات 2010 إصدار ورقي عن طنطا بوك هاوس.

بارتيلا رواية نسخة إلكترونية 2011.


صفحتا الفيس بوك والمدونة بعنوان: أحمد منتصر

ت: 0107241813