الجمعة، 14 أغسطس 2009

بشأن هوجة سيد القمني الأخيرة

1) يرى سيد القميني أن نبوة محمد كانت ضرورة سياسية لتحقيق الوحدة السياسية العربية. كان العرب يريدون شخصا يحكمهم ولكن كان من الصعب وفقا للسياسة القبلية التقليدية أن تحكم قبيلة قبيلة أخرى مهما كانت مكارم القائد ومميزاته. لذا فقد تفتق الذهن العربي عن فكرة جبارة ألا وهي أن يدعي شخص ما النبوة فتكون له السلطة الدينية وتتبعها بالضرورة السلطة السياسية وفقا لما كان معهودًا وقتذاك من حكم رجل الدين للدولة. إن التاريخ عند سيد القميني وأضرابه من الملحدين الماركسيين البنيويين ينبع من صناعة بشرية بحتة لا دخل لقوة عليا بها ولا حتى لقانون الصدفة ولا لأية قوة غير مادية.

2) يرى سيد القميني أن الأحوال الدولية كانت تهييء مكة لتكون زعيمة العالم بلا منازع لوقوعها أولا في وسط الجزيرة العربية ذلك المكان المنعزل ولتفكك أهل يثرب ثانيا خاصة مع وجود اليهود بينهم ولتصارع الفرس والروم ثالثا والذي صبّ في إمكانية ظهور قوة دولية شابة جديدة ترث الإمبراطوريتين العجوزين. تحالف أهل مكة مع الأوس مما مهد الأمر لمحمد فيما بعد كي يتحالف مع الخزرج الذين يمقتون أهل مكة لدعمهم الأوس.

3) يرى سيد القميني أن الجزيرة العربية كانت تضج بعدد كبير من الكعبات والأحجار السوداء في كل حدب وصوب. إلا أن كعبة مكة وحجرها الأسود قد اشتهرا وتميزا نتيجة مكانة مكة التجارية العظيمة في العالم القديم. كان التمايز العقائدي عقبة في طريق الوحدة السياسية للعرب أمام القوميات الأخرى. وكان العرب يأملون بتحقيق وحدة شبيهة بما حدث في واقعة ذي قار عندما اتحدت عدة قبائل عربية أمام الفرس وهزموهم. كانت العصبية القبلية -بقدر تشددها وأثرها الواضح في العداوة بين القبائل- من جهة أخرى قوة أكيدة وحلما عربيا خالصا في السيطرة على العالم وعلى الإمبراطوريتين المتصارعتين.

4) يرى سيد القميني أن حادثة الفيل لم تكن معجزة مبالغا فيها حيث يذهب إلى ما (جزم) به العقاد حسب قوله بأن جيش أبرهة الحبشي قد أصابه وباء الجدري فرجع خائبا.

5) يرى سيد القميني أن قصي ابن كلاب -أول سيد لمكة- كان داهية سياسية وهذا صحيح. ولكنه يرى أنه كان يرمي لمشروع ديني سياسي كبير يهدف إلى توحيد العرب وجعل نسله نسلا حاكما للعرب بما فيهم قريش.

- جاءني خبر من صديق يؤكد لي أن سيد القمني مزوّر لشهادة الدكتوراة خاصته. والحقيقة أني لم أتعجب فقد كنت أشك وأتوقع ذلك بعد أن طالعت كتابه (الحزب الهاشمي) والذي يعد أهم كتبه على الإطلاق. والظاهر أن سبب نجاح هذا الكتاب هو صدوره في وقت كانت البنيوية -وهي المنهج النقدي الذي بنى عليه القمني كتابه- مازالت غضة طرية غير معروفة لكثير من المثقفين المصريين. والبنيوية هي منهج نقد ماركسي مطوّر ظهر في أوروبا في منتصف القرن الماضي ثم انتقل إلى المغرب العربي وأخذ وقتا حتى ذاع وانتشر وعُرف في أوساط الماركسيين المصريين. فالبنيوية هي أسلوب مطور للمادية الجدلية وارتباط التاريخ بالاقتصاد (البنية التحتية أي وسائل الإنتاج والبنية الفوقية ألا وهي الظواهر الاقتصادية) في المقام الأول بكل ما فيه من تحولات فكرية واجتماعية وبيئية وعسكرية حتى. فالبنيوية هي مجرد شكل محسن من الماركسية القديمة والتي لم تتخل عن ماديتها الصرفة وإنكارها للأخلاق وعدم اكتراثها بالعوامل الهامة -عدا الاقتصاد- التي تؤثر في مجرى التاريخ وتحوّلاته وهو ما تدعو إلى الاهتمام به المدرسة الليبرالية الحديثة في النقد الثقافي عموما والنقد التاريخي خصوصا.

- من هنا -وباختصار مخل بالتأكيد- يمكننا تخيل منهج سيد القمني النقدي في كتابه الذي ادعى أنه (دراسة) حيث من الواضح جدا أن الرجل قد وضع افتراضا مؤداه أن بني هاشم كانوا يجهزون محمدًا كي يكون رسولا أو ليقوم بدور الرسول حتى يمكنهم السيطرة على العالم هع هع. وهذا شكل مطوّر من أشكال نظرية المؤامرة من قبيل: لقد كانوا يتربصون بنا دوما عاااااااا!. ويمضي سيد القمني في تهجيصه بانتقاء الروايات التاريخية التي تؤكد أو توحي من كتب الآثار ويستبعد التي تنفي وجهة نظره وتنسفها من الأساس والتي هي أصح درجة في علم مصطلح الحديث عن الروايات التي أوردها أو التي اجتزأ منها استشهاداته. ويدعى مناصروه وأغلبهم من الملحدين أن سيد القمني انتقى روايات من تاريخ ابن كثير لم يرجح ابن كثير إحداها والحقيقة أن أي باحث تاريخي يحترم نفسه يعرف أن ابن كثير كان يورد الكثير من الروايات دون مراعاة للصحة بقدر ما كان يراعي التنوّع في الآراء ولهذا لم يسمّ كتابه (صحيح ابن كثير) بل ما يُسمّى من الكتب القديمة بالصحيح فهو ما راعى مؤلفه كالبخاري ومُسلم القواعد العلمية في علم مصطلح الحديث عند اختيار المرويات بكتبهم ولهذا فكتاب أحمد ابن حنبل الحديثي مثلا يسُمى بالمسند لأن ليس كله صحيح وكذلك كتب ابن حبان والبيهقي والترمذي وابن ماجة والطبراني وغيرهم من أهل رواية الحديث. حتى إن البخاري له كتب غير صحيحه المعروف ليست كل أحاديثها صحيحة لأنه لم يشترط فيها ما اشترطه من قواعد صارمة عند جمع صحيحه.

- ومع احترامنا لحرية النقد والفكر إلا أننا نستغرب عدة أشياء:

1) استئساد الملحدين في الدفاع عن سيد القمني واتهام ناقديه بانعدام العقلانية أو الإرهاب الفكري أو بضيق الأفق. والمعروف أن الملحدين مثلهم مثل أية جماعة دينية عقائدية يسيرون كالقطيع وخلف تعليمات كبرائهم: هاجموا هذا أو ادعموا ذاك. لذا فوجهة نظرنا من دعمهم لسيد القمني أنه أحد الملحدين الذين يتبنون أفكارًا من شأنها خلخلة البنية الثقافية والاجتماعية والأخلاقية للمجتمع المصري. بل ينبغي اتهام سيد القمني نفسه بضيق الأفق بسبب تمذهبه الشديد بالبنيوية وتوظيفه إياها في موضوع شائك كالسيرة المحمدية وبنائه لكتاب كامل على فكرة ساذجة للغاية موضوعيا.

2) الترويج بنزق للبنيوية وكأنها أحد مناهج النقد الموضوعي الحديث. على الرغم من أنه منهج شديد الصرامة والانغلاق على نفسه وأدواته ولا يمكن أن يدعي أي ماركسي يحترم نفسه أنه لا يلتزم به أو يستخدمه مجاورًا لمنهج في النقد آخر. هنا تجدر الإشارة إلى أن النقد الثقافي الليبرالي الحديث هو أبو النقد بحق في زمننا هذا ومنذ عقدين كاملين. ذلك أن الليبرالية هي مجموع قواعد كما هو معروف وليست مذهبا متكاملا لذا فإن الناقد الليبرالي بإمكانه بسهولة الجمع بين عدة أنواع من النقد كالبنيوي والنفسي والجمالي والمادي والديني واللغوي. وهو لا يألو جهدا في انتقاء أقرب النتائج موضوعية عند إجرائه لبحث ما دون التحيز المسبق أو التمذهب الأجوف.

3) دعوات القتل والتشهير التي يقودها متعصبون يستأثرون بالخطاب الديني وهذه الدعوات لم يثبت جدواها أمران: الأول أنها تغري كل طالب شهرة كسيد القمني بتأليف أي كلام أهبل يسميه دراسة فيما بعد من أجل الشهرة والمال. أما الثاني فلأنها تهيج الرأي العام لرفض أي دراسة موضوعية تستحق الاهتمام بترسيخ المتعصبين لمبدأ: كل جديد باطل.

4) حصول سيد القمني على جائزة وطنية هامة كجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية أمر واضح بين كي يلفت فاروق حسني الأنظار إليه كمرشح لرئاسة اليونيسكو متنور والدليل أنه يعطي جائزة ذائعة الصيت في وطنه لمدعي ثقافة ونصف باحث مثل سيد القمني يهاجم فيها الإسلام والذي يعده كثير من الغربيين دينا إرهابيا بفضل تنظيم القاعدة. ونود أن ننبه على فاروق حسني أننا نستنكر بشدة حصول أحد المتعصبين مثل المدعو سيد القمني وهو من هو في التشكيك بقضايا مصيرية للمسلمين والعرب كنبوة محمد بسخافة بالغة لا ترتقي لحد البحث العلمي الجاد الموضوعي. وأننا نطالب بسحب هذه الجائزة فورا من سيد القمني وتقديم اعتذار للرأي العام المصري.

- بقرأ دلوقتي كتاب هام لصلاح قنصوة بعنوان (النقد الثقافي) بيقول فيه إننا بقينا في عصر ما بعد الفردية وما بعد البنيوية. بحيث إن الفرد باعتباره وحدة هو نوع من الجمود والأيديولوجيا. وطبعا مش بندعوا للفوضوية ولكن بنقول إن الفرد هو مجموع خبرات وأدوار وشخصيات متراكمة. مثلا أنا مكوّن من عدة وحدات مترابطة: مونتي الطفل. مونتي المراهق. مونتي السلفي. مونتي الصايع. مونتي العلماني..إلخ. فلو جينا وحكمنا على مونتي إنه مجرد شخص سلفي فده جمود وقصور ف التفكير زي ما عمل طارق دونكيز. وزي ما عمل سيد القمني لما حكم البنيوية ف مسألة شديدة الأهمية زي نبوة محمد. إنما يمكن دراسة نبوة محمد بالبنيوية كجزء لا يتجزأ من منهج نقدي متكامل ومتنوع بنيوي مادي نفسي جمالي منطقي..إلخ. بعض الناس نقدت عليا إني قلت إني مش ليبرالي. والحقيقة إني فعلا نفسيا مش ليبرالي. إنما أنا ليبرالي فكريا مع توسع كبير يخليني أقدر أتقدم فكريا ف أي وقت مش مقيد بالتفكير الليبرالي.