الأربعاء، 31 ديسمبر، 2008

قصة ضمير المصري الحديث

سحر الكلمة
قصة الضمير المصري الحديث
(قصة الضمير المصري الحديث) من سلسلة الفكر ضمن فعاليات مهرجان القراءة للجميع 2008 للشاعر الراحل صلاح عبد الصبور كتاب يجدر بك عزيزي القارىء قراءته. حيث حاول الكاتب رصد حقبة تاريخية حساسة مرت بها مصرنا الحبيبة بداية من القرن التاسع عشر حيث مجيء الحملة الفرنسية وانتهاءً بالقرن العشرين. وقد لاحظت أن الكاتب في هذا الكتاب قد حاول شأنه شأن كثير من كتاب ومفكري القرن العشرين عندنا الجمع بين ثقافتين. ثقافة التطور العلمي وثقافة العادات والتقاليد المستندة إلى أسلافنا. ثقافة علمية بحتة وأخرى أخلاقية إنسانية يا ليتنا نستطيع التوفيق بينهما.يقول الكاتب في مقدمة الكتاب إن مصر قد مرت خلال آلاف السنين بمحن وكوارث ورزايا قد قامت منها وتعافت ولو بعد حينٍ وقد تعلمت الدرس ووعته - يشير إلى هزيمة 67 ههنا. ثم يقسم الكتاب إلى فصول فالفصل الأول بعنوان (اليقظة) حيث يصف فيه حالة المصريين عند مجيء الحلمة الفرنسية بقيادة نابليون عام 1799. وانبهار المصريين بقوة الجيش الفرنسي العسكرية وخسفه بجيش المماليك الواهن. ثم أخذ الألباني محمد علي بما خلفه الفرنسيون في مصر من بذرة تقدم ورقي وأرسل بعض الشباب للخارج ليتعلموا. وظهور رجال مصريين انبهروا بالحضارة الغربية ورأوا وجوب الأخذ بكل ما هو مفيد منها بدءًا بالشيخ العطار وتلميذه رفاعة الطهطاوي وانتهاءً بكل صحفي وكاتب وأديب متنوّر في هذا الوطن. وظهر من (أولاد البلد) أول مخترع مصري في هذه الحقبة العصيبة ألا وهو (حسين شلبي عجوة) والذي قام باختراع آلة لضرب الأرز وتبييضه فاستقدمه محمد علي وأكرمه وكلفه بإقامة مصنع في دمياط وآخر في رشيد ينتجان كميات كبيرة من آلته.
وفي الفصل الثاني والذي عنونه بعنوان (المندهش الأعظم) يتحدث الكاتب عن رفاعة الطهطاوي ذلك المصري الصعيدي الموازي عندنا لفولتير في فرنسا وقتها. فبعد اليقظة جاءت الدهشة ومحاولة مجاراة التقدم العلمي الغربي بعيدًا عن عته وجهل الاحتلال العثماني. ذهب رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا كمقيم للشعائر الدينية لمجموعة من الشباب بعضهم مصريين ذهبوا للدراسة في فرنسا بعثهم محمد علي في واحدة من حسناته المذكورة. فيما بعد تحوّل رفاعة الطهطاوي من مجرد إمام ومؤذن إلى طالب ضمن البعثة تعلم الفرنسية وألف كتابه العمدة (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) تحدث فيه عن مشاهداته في العاصمة الفرنسية من منظور الحلال والحرام حتى اختفى هذا المنظور مع تقليب صفحات الكتاب وحل مكانه منظور الجدوى والفائدة ففطن هذا الشاب العبقري مبكرًا إلى وجود نوعين من العلوم. علوم برانية تعنى بإصلاح الدنيا وتعميرها وعلوم جوّانية تعنى بإصلاح النفس وإعمارها. ومن هنا كان منشأ ودخول العلمانية إلى مصر وإن اقتصرت لمدة طويلة على العلمانية السياسية فقط.وقد انبهر رفاعة بكتب الحضارة الغربية في هذا الوقت وانبهر خاصة بأبرز ثلاثة مفكرين في هذا الوقت: مونتسيكو وفولتير وجان جاك روسو. مونتسيكو روّج لمبدأ فصل السلطات وفساد مبدأ الملكية المطلقة ونادى بسيادة القانون. أما فولتير فقد أعاد للعقل قيمته المفقودة على أيدي رجال الدين وسدنته والعادات والتقاليد الجاهلية ونادى بالتفكير الواقعي الموصل للمصلحة الفورية. أما عن روسو فقد أسس نظرية العقد الاجتماعي والتي تعطي للمحكومين سلطة نافذة على رقبة الحاكم تخولهم إسقاطه في أي وقت أخل فيه بالعقد الصوري الذي أبرمه مع المحكومين لما انتخبوه. وهو ما يعرف بالجمهورية.كان رفاعة يتابع الصحف الفرنسية وأنشأ عند مجيئه إلى مصر صحيفتين: الوقائع المصرية وروضة المدارس. وكذلك ترجم في كتابه العمدة السابق ذكره الفصول الرئيسية من الدستور الفرنسي. ورأى أن الديمقراطية الغربية موجودة في الإسلام وجائزة مع تحفظي إلى ما ذهب إليه. وأرسى فكرة الوطن والوطنية فالوطن في اللغة العربية كان البيت فنقل رفاعة ما تحتويه هذه الكلمة من معانٍ تخص الدولة إلى عقول المصريين وكذلك افتخر بجذوره الفرعونية والعربية في وقت واحد ولك أن تتخيل تقدم فكر هذا الشاب إذا قارنته بمستوى التفكير الضحل في مصر في هذا الوقت. وأخرج لنا خمسين مترجما أو يزيد عندما عاد إلى مصر وأنشأ مدرسة الألسن. وأدلى بدلوه في الخلاف حول القيمة فذهب إلى أن القيمة في العمل وليست في الأرض.
ومن هنا نرى أن رفاعة كان قامة فكرية وعملية عظمى تربى على يد أستاذ متنور عظيم وهو الشيخ العطار فخرج من تحت يد تلميذه رفاعة رجال متنورون ولامعون كطه حسين وعلي مبارك ومحمد عبده. في الفصل الثالث بعنوان (الثائر المتنقل) نزح جمال الدين الأفغاني عام 1871 إلى مصر وهو في الثلاثينيات من عمره. كان شابا ثائرا عصبيا التقى بالنخبة المثقفة في مصر من المتعلمين في عهد محمد علي ومشائخ الأزهر المتنوّرين فكان أبرز تلامذته محمد عبده الشيخ المجدد وسعد زغلول السياسي العلماني ومحمود سامي البارودي العسكري والشاعر. كان الأفغاني في البدء متأثرا بتعليمه الديني حتى إنه قد ألف كتابا قبل مجيئه إلى مصر ردًا على الدهريين والماديين. وكان يدعو للجامعة الإسلامية تحت لواء العثمانيين مختصرًا الصراع الاستعماري في خلاط أديان تتعارك. وكان ينقد فولتير وروسو بقسوة والاشتراكية الغربية. بعد ذلك بدأ يتحدث خاصة بعد نفيه بعدة سنوات إلى باريس عن الدستور والاشتراكية الإسلامية ونقد عنصرية الأتراك تجاه العرب والديكتاتورية. كانت الطبقة المتوسطة في مصر قد بدأت تنشأ من الموظفين المتعلمين في عهد محمد علي وإسماعيل. ومن الضباط والعسكريين المصريين. ومن العُمد والأعيان. تقلد بعض المصريين وهو علي مبارك وزاراتٍ كوزارة التعليم. قام إسماعيل بإشراك المصرين بصورة صورية في الحكم لما أنشأ مجلس شورى النواب 1866 وكانت الطبقة المتوسطة هي عماد الثورة العرابية فيما بعد. وإن كان المصلحون قد انقسموا فيما بينهم حول ماهية الإصلاح أبالثورة أم بالتنوير؟. ذهب العرابيون العسكريون ولسانهم هو عبد الله نديم إلى الخيار الأول. وقد مال محمد عبده إليهم ولكن لما فشلت الثورة لام نفسه وعاتبها. بينما مال أرباب التعليم أمثال علي مبارك إلى الخيار الثاني وابتعدوا عن الساحة حتى انتهت الثورة العرابية.
في الفصل السادس بعنوان (فكر الأعيان) عرض الكاتب لمزايا الاحتلال الإنجليزي لمصر من نشر أسس الليبرالية والتعليم للجميع وتحرير المرأة وإنشاء المصارف المصرية وحماية ملكية الأراضي الزراعية ونشر الوعي العلمي. وقد بزغ نجم أحمد لطفي السيد الملقب بأستاذ الجيل وكان من طبقة الأعيان التي أثرت في عهد إسماعيل. وعبر حزب الأمة وجريدته الأمة كذلك كان فكر لطفي السيد يدور حول ثلاثة محاور: التطور أي الارتقاء بالناس قبل الاهتمام الكامل والتفرغ لقضية الاستقلال بالتنوير وتحرير المرأة ونشر الوعي العلمي وغير ذلك. كراهية استعمال القوة. أما الثالث والأخير فهو فلسفة المنفعة الفورية أي الاستفادة القصوى من مجريات الواقع دون الحلم بتغييره جذريا. بعد ذلك تجمعوا في حزب الأحرار الدستوريين وخرج من عباءتهم محمد حسين هيكل في الأدب. ومصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر. وطه حسين في أول أمره قبل أن ينضم للوفد. وكانوا عموما ضد التيارات الثورية كالوفد.
في الفصل السابع بعنوان (فكر الطلبة) تعرض الكاتب للزعيم المصري الكبير مصطفى كامل وأخبر بإرسائه للوطنية الحقة بعيدا عن أممية العثمانيين ودكتاتورية الخديوي والاحتلال فعلى لسان مصطفى كامل عادت إلى الأذهان كلمات (الاستقلال-الاحتلال-الوطنية) بعدما توارت حينا بعد فشل هوجة عرابي. وتحدث الكاتب عن انعدام البعد الاجتماعي لدى كافة الأحزاب المصرية بسبب انشغالها بقضية الاحتلال والدستور ومجلس النواب. لذلك فوجىء سعد زغلول خلال فترة حكمه باضطرابات عمالية قام بقمعها بشدة!. وكذلك فعل مع من كوّنوا أحزابا وجماعات شيوعية. إلا أن قضية العدالة الاجتماعية بدأت تزداد أسهمها بعد معاهدة 1936.في الفصل الأخير بعنوان (بين اللاتين والسكسون) كان الجدال بين طه حسين والعقاد في عشرينيات القرن العشرين حول أيهما أنفع لنا: الثقافة الفرنسية أم الثقافة الإنجليزية؟. ويرى الكاتب دلالتين لهذا الجدال الحامي. فالأولى أنه إقرار ضمني بأن الثقافة السلفية لم تعد صالحة في العصر الحديث. والثانية أن العقل المصري قد تحدد اتصاله بتلكما الثقافتين منذ سنين.
وإن كان هذا الجدال ضروريا لنهضة مصر الحديثة إلا أنه قد أهمل موضوعا لا يقل أهمية ألا وهو اللغة العربية. حيث أثر جَسْم الثقافتين الفرنسية والإنجليزية على ثقافتنا بفعل الاحتلال والتعليم الأجنبي إلى تهميش لغتنا العربية التي ضعفت أصلا خلال احتلال العثمانيين. وكانت الفصحى الشائعة منها في مصر ركيكة جدا. حتى بين الكتاب والمثقفين. إلى أن جاء البارودي وجدد الشعر. بينما جدد الأفغاني ومحمد عبده النثر. وظهرت دعوة قوية لإلغاء الفصحى. وحتى بعد اهتمامنا بالعربية بجعلها لغتنا الأولى نزلت علينا بفعل التغريب الثقافة الأمريكية التي تهتم بالحرفة على حساب الثقافة وتضييق مجال الجامعات إيثارا للمعاهد والمدارس الفنية.
أحمد منتصر
في
ذي القعدة 1429

هناك تعليق واحد:

AMRMAX يقول...

عام سعيد عليك يا بوب