الثلاثاء، 18 نوفمبر، 2008

بعد الصمت

قصة العلبة من مجموعة بعد الصمت لمحمود بدوي تصدر قريبا عن دار اكتب
العلبـة
سرداب طويل .. دهليز .. لا بل ممر طويل ، رمادية هي الحوائط، وأرض لزجة مهترئة .. أسابق الريح .. لا أعلم مما أجري ولا حتى لم أجري ، صماء حوائط الجانب الأيمن ، لا شرفات أو فتحات أو سراديب أخرى كالجانب الأيسر .
انعطفت يسارا في أحد المنعطفات ، سراب منضدة صغيرة يقطع اللا نهاية لذلك السرداب .
بدأت أشعر بالتعب ، وبدأ صوت أزيز صدري .. وأنفاسه المتلاحقة... يصدر صوتا يشبه ماكينة مكافحة البعوض التي تجوب حينا ، لم يكن سراب بل هي منضدة بالفعل ، شيء صغير موضوع عليها ، وقفت أخيرا فأنا من الواضح المتسابق الوحيد في هذا الماراثون ، ولكن لم أجر ، ولم أنا أصلا في هذا المكان ، ومم أهرب ؟، أفقت من دوامتي ، فوجدت يدي داخل حلقي ، فنظرت إلى المنضدة فوجدت علبة صغيرة مفتوحة تشبه أحد آلاف أنواع مستحضرات التجميل ، ووجدت أصابعي قد نهشت جزءا كبيرا منها ، اتسعت عيناي ، يا له من طعم .. لو ذقت الصبار لكان خيرا منه ألف مرة ، ما الذي دفعني إلى فعل ذلك ؟, نظرت مرة أخرى إلى العلبة فوجدت آثار يدي قد زادت حدة ، ووجدت يدي أيضا في حلقي ، آآآآآه لساني يبلع ويساعد يدي .. حاولت البصق ، لكن دون جدوى .
أمسكت حلقي الذي ابتلع لتوه ………… !!؟؟
استدرت وبدأت أجري ، صماء حوائط الجانب الأيمن ، لا شرفات أو سراديب أخرى كالجانب الأيسر …!! ولكن كيف ..! لقد استدرت .. لابد أن يحدث العكس ..؟؟
انعطفت يسارا .. لا أشعر بقدمي .. بالكاد أتنفس .
منضدة صغيرة ..! أكاد أرى العلبة ذاتها عليها .. انعطفت بغتة إلى اليسار في أحد المنعطفات محاولا الهروب من الوصول إلى المنضدة الملعونة .. تسمرت قدماي .. اتسعت عيناي .. نفس المنضدة أمامي مباشرةً .. تتحرك يدي وكأنها مسحورة نحو العلبة حاولت منعها .. صرخت ..أغمضت عيني .. نفس الطعم مرة أخرى في حلقي .. طعم جيفة ممزوج بعلقم بقليل من ……… لا بل أكثر ..!
فتحت عيني بصعوبة .. وعاودت الهروب من جديد .. أستطيع الإغماض وأنا أجري فلا شيء سوى أفق رمادي .. من قال إن الإنسان لا يستطيع أن يسمع دقات قلبه ..!
انعطفت يسارا .. ثم يسارا أفقد وعيي الآن كما أظن .. لو سار طفل بجانبي لسبقني ! .. هه .. سراب شخص يقف بعيدا ..! لم أصدق .. لذا لم أكلف نفسي عناء الاستغاثة .. اقتربت .. ليس بسراب .. شخص ممشوق القوام .. مفتول العضلات .. يرتدي بزة سوداء .. وقبعة إنجليزية .. لذا لا أستطيع أن أرى عينيه .
".. ســ ســـاعدني .." خرجت مع حشرجة صوتي .. لا يزال يشير بيده اليمنى ..قف .
" اقترب " قالها بصوت خافت .. فاقتربت منه أحاول أن أتبين وجهه من خلف القبعة السوداء .. أنزل يده اليمنى .. ابتسامة إنجليزية باردة .. يحرك يده اليسرى التي كان يخفيها خلف ظهره .. يا للهول ..نفس العلبة الملعونة .. وبدأت يدي رحلتها في عذابي .. تفتح الغطاء .. وتلعق كالعادة ، لم أصرخ هذه المرة .. خارت قواي ولم أعد قادرا على الهروب .. أحاول التكيف مع طعمه الآن .... أظنه ليس ………!!
ابتسامة أكثر برودة ..!!
أدار العلبة بأصابعه الخشبية .. أظنه يحاول أن يريني شيئا مكتوبا عليها .. نعم .. أظنها حروفا متلاصقة .. نعم حروف .. إنها .. الحــــــزن !!

ليست هناك تعليقات: