الأحد، 26 أكتوبر، 2008

لوحات

مقتطف من لوحات نصوص تصدر قريبا عن دار اكتب للنشر
Image hosted by servimg.com
موج بحر

أجلس في الصفوف الأمامية كعادتي في المحاضرات.. اقتربت السنة من الانتصاف ولم أستطع التعرف بأحد بعد من زملائي جيدًا..
مجرد أسماء لأشخاص.. أعدهم معارف لا أصدقاء.. أفضل أن أجلس بعيدًا عنهم أثناء المحاضرات .. حتى لا ينصرف إليهم انتباهي..
بدأ المدرج في الامتلاء.. وبدا انسحاب الهدوء، حتى وصلت الهمهمات إلى مستواي المفضل.. مستوى يذكرني دوما بموج البحر..
أجلس على الصخور التي تسبق شاطئ الإسكندرية الرملي، الإسكندرية مصيفنا الأزلي الأبدي..
كان يومًا صيفيًا حارًا ازدادت رطوبته عن المعتاد فضل أفراد أسرتي النوم على النزول بينما نزلت أنا وحدي..
مُيَمِمًا وجهي شطر البحر.. تاركا المارة خلف ظهري.. وحدي مع البحر.. أراقب موجه، وأسمع صوته.. ترى ما هي الرسالة التي تحملها كل موجة تبلغها إلى الشاطئ؟
وما هي الرسالة التي تعود بها إلى الشاطئ الآخر.. منذ خلقت وحتى فنائها.. من يفهم تلك الرسائل، من يترجمها.. من يرد عليها؟..
همهمات.. همهمات.. أركز أكثر حتى أعرف..
حكمة البحر وذكريات موجه..
أنصت إليها وأتعلم...
ومع غروب الشمس ألاحظ يختًا بعيدًا..

أستند إلى سور اليخت.. أراقب ماء البحر.. منتظرًا اهتزاز الصنارة..التى تستند بدورها إلى السور عن يميني..
تمر عليّ زوجتي الحسناء، وقد لوحتها الشمس وأعطتها لون بشرة مذهلا.. لا أستطيع وصفه ولا أحد آخر قادر على ذلك..
لقد خلق اللون البرونزي لذلك الجسم بالتأكيد، لهذه البسمة وأمواج الشعر تلك..
تربت على كتفي مبتسمة.. تنظر إليّ مشجعة وتقبلني متمنية لي صيدًا عظيما..
أدخل خلفها لأغيّر مسار اليخت.. فلم أصطد شيئا منذ جئنا ..
أخبرها بأن كل شيء سيكون على ما يرام.. وأصمم على أن الغذاء اليوم سيكون حصيلة السمك الذي اصطدته .. تبتسم لي في رقة وتنتظر..
أغيّر الطعم وأقذف به مرة أخرى إلى الماء..

أنا طعم..مرّ وقت طويل حتى أدركت هذه الحقيقة.. يا لغبائي!!، كيف لم أفطن إلى هذا من قبل؟
لم أكن أتوقع أنه جلبني معه حتى يصطاد..
تحملت نصل الصنارة فقد كانت آلام الحقيقة أشد..
قذف بي إلى الماء..
زرقة من كل جانب وارتعاشة برودة تعتريني..
أنا الآن طعم.. ينتظر أن تلتهمه الفريسة لا يلتهمها هو..
تحملت آلام الاحتضار فقد كانت آلام الحقيقة أشد..
أسمع طلبًا بالإفساح قليلا..أنظر من يطلب..
أرى ابتسامتها الرائعة وأمواج شعرها المنسدل بحرية..
أراجع صورتها مع تلك المحفوظة في مخيلتي وأجدد بعض التفاصيل..
بينما أفسح لها تتزايد ضربات قلبي حتى أكاد أسمعه..
أخرجت منديلي القماشى من جيب سروالي، أمسح به حبيبات العرق التي برزت برغم برودة الجو على جبيني، وأخفي به احمرار وجهي واضطرابه..
أختلس النظر إليها، دائما هي أنيقة.. تجيد اختيار ألوانها، عبقرية في مزج الألوان وتناسقها..
ألحظ أيضا ماركات ملابسها العالمية..
أنظر تحت قدمي.. مخفيا المنديل في جيبي.. وملابسي المتواضعة تشهد على قلة حالي وضعف موقفي..
أعقد مقارنة أخرى بيننا..
وجهها الأملس .. بشرتها البيضاء، بياض الثلج..
ووجهي الأسمر المليء بالندوب المحفور عليه الألم والمعاناة.. بعكس تلك الحياة التي ينضح بها وجهها..
شعرها الحريري المنسدل، يلمع بحرية..
وشعري الأكرت الخشن..
أتنفس هواء المستحيل..
تذهب ارتعاشة يدي الملآنة بدماء النشوة التي ينبضها قلبي كلما استنشقت عطرها..
تفتح كشكولها العملاق.. وأفتح أنا الأجندة التي وزعها علينا خالي بمناسبة العام الجديد..
أتى الدكتور ..
قد بدأت المحاضرة..

أحمد علاء
17\12\2006

ليست هناك تعليقات: