الخميس، 23 أكتوبر، 2008

إستميشن

مقتطف من رواية إيستيميشن تصدر قريبا عن دار اكتب للنشر
Image hosted by servimg.com
أصبحت "إستيميشن كافيه" مؤخرا من أشهر أماكن التلاقي لدى طلاب المدارس الفرنسية فى الإسكندرية مثل سان مارك وسان جبرائيل وجان أنتيد ونوتردام دي سيون ... وعلى عكس "شيكسبير كافيه" الذي يقال إنه قد اكتسب شهرته بسبب أن صاحب المكان "شاف" (قائد كشافة) سابق في حركة "الكيرفايون" (حركة الكشافة الخاصة بمدرسة سان-مارك) ، فإن "إستيميشن كافيه" عندما أفتتح في سموحة لم يكن في فريق عمله شخص واحد من الإسكندرية ... صاحب المكان لواء بحري سابق من القاهرة و أكثر من عشرين عاملا في الكافيه كلهم من القاهرة أو من محافظات شمال وجنوب سيناء تم انتقائهم بعناية فكلهم أخذوا على الأقل "كورس" واحد من شركات أجنبية فى مجالات مختلفة كلها متفرعة من الطبخ أو الفندقة والسياحة ... ظلت الأمور هكذا حتى وجد القائمون على مصاريف المكان أنه سيكون من الأسهل والأرخص لو وظفوا عاملين آخرين من الإسكندرية... خاصة أنهم –على غير الحال في القاهرة- لا يواجهون منافسين أقوياء للغاية في ذلك المجال ... لا أحد يتذكر بالضبط متى ظهر "إستيميشن كافيه" ومتى ذاع صيته ليصل إلى ما هو عليه الآن ... و بطبيعة الحال فإن أي كافيه أو مقهى في الإسكندرية يتمتع بقابلية لدى طلبة المدارس "الفرنساوى" فإنه لابد و أن يتمتع بنفس القابلية عند مدارس الدبلومة الأمريكية التي يتكون حوالي نصف طلابها من طلبة المدارس الفرنسية والذين قرروا تركها لسبب أو لآخر ... المكان يمتلك كل المقومات التي تؤهله لهذا النجاح ... أسعاره غير منطقية بالطبع و لكنها ليست فلكية مثل "كارلوس" و "ستار باكس" مثلا... اللواء صاحب المكان استخدم نفوذه ليحصل على رخصة تسمح لرواد الكافيه بأن يلعبوا الأوراق في المقهى بدون أية مسائلة قانونية ... كما أن من السهل أن تجد مكانا قريبا من "الكافيه" تركن فيه سيارتك ...
لكل ما ذكر من أسباب كان "إستيميشن كافيه" هو المكان المُفضل لدى خريجي سان مارك خاصة خالد ومارك ونادر وبالطبع صديقة مارك الحميمة نيفين ... و عندما أقول صديقته الحميمة فإن هذا اللفظ ليس تعبيرا مؤدبا عن أي شيء خارج عن التقاليد ... و لو أنك رأيت مرة واحدة مارك ونيفين و هم يتكلمان معا ... لو أنك خرجت معهم "خروجة" واحدة ... لفهمت تماما ما أحاول أن أقوله ... علاقة مارك بنيفين لا تختلف كثيرا عن علاقته بخالد أو بنادر ... علاقة لا تخرج عن حدود "الأنتمة" ... هذا كله من وجهة نظر مارك ... لم يقال أي شيء بعد عن رأي نيفين في كل هذا ... إنها القصة التقليدية جدا ... نيفين تحلم بأن تكون شريكة حياته... وخالد ونادر بما أنهم أعز أصدقاء مارك فإنهم لم يقابلوا في حياتهم شخصا قادرا على أن يفهم مارك وأن يقرأ أفكاره من قبل حتى أن يفكر كما تفعل نيفين ... كل الناس ترى ذلك فيما عدا "مارك" .... "مارك" الذي أضاع آخر سنتين من عمره ساعيا بشدة وراء فتاة سيئة السمعة تسمى "يارا" ... كل الناس تراها شيطانا يمشي على الأرض فيما عدا هو ... إنه ليس ساذج بطبيعته بل بالعكس فإنه من الأشخاص القلائل الذين تقابلهم فتستطيع أن ترى الذكاء في أعينهم قبل أن يقولوا أو يفعلوا أي شيء ... رغم كل ذلك فإنه غير قادر على أن يرى أن "يارا" ليست مناسبة له ...أو أن يرى أن نيفين منجذبة إليه بشكل آخر غير الذي في مُخيلته ...كان الأربعة جالسين في مكانهم المفضل في "إستيميشن كافيه" يلعبون الإستيميشن... عندما أخبرهم خالد أن شريف أبيه الذي كان فى القاهرة منذ فترة سوف يصل إلى الإسكندرية في صباح اليوم التالي ... و عندما فاجأتهم نيفين بالسؤال:
"شريف مين؟".
رد عليها مارك سؤالها بسؤال آخر كعادته: مش عارفة شريف؟ ما إنتي قابلتيه .... بابا خالد.
نظرت نيفين هذه المرة إلى خالد وسألته: و إنت بتنادي باباك باسمه على طول كده؟
استعجب خالد من سؤالها الخارج عن المنطق قبل أن يرشف آخر رشفة من كوب الهوت شوكليت الذي كان فى يده ويتركه ليسألها: عايزانى أقوله إيه مثلا يعني؟Papy و الشغل ده ؟ لا... ده يضايق جدا.
ثم قرر نادر أن يشارك فى المناقشة التي لا تهمه ولا تشكل أي فارق له أو للجالسين بأي حال من الأحوال سوى أنه لاحظ أن هناك شيء ما فى الموضوع يحرج خالدا و هو يتكلم عنه فأرخى ظهره وبدا شكله مثيرا للسخرية وهو يسأل بأسلوب استجوابي: ده ليه كده ؟
رد خالد وقد ظهر عليه الانزعاج الشديد هذه المرة: معرفش هو بيحب يبقى التعامل ما بينا على أساس إن إحنا صحاب مش أب و ابنه...هو دماغه كده.
كان "شريف الكفراوي" والد خالد الذي يمتلك مكتباً للمحاماة في القاهرة خفيف الظل إلى أبعد الحدود ... طريقة كلامه وأسلوب حركته ومشيه تشعرك بأنه شاب في الثلاثينيات رغم أنه قد أشرف على بدايات العقد الخامس من عمره ... هو أفضل من تنطبق عليه عبارة "الشباب شباب الروح" ... و عندما يأتي "مارك" و "نادر" أصدقاء ابنه إلى البيت و هو موجود في الإسكندرية ... يجلس معهم ويشتم "خالد" ابنه بالأم ...يشرب معهم الحشيش ... لم يكن يهتم كم يبدو سخيفا ما دام استطاع أن يضحك الشخص الذي يجالسه ... تلك الصفة التي تجعل "خالد" يخجل من أبيه أحيانا..و رغم أن مارك قد لاحظ عدم ارتياح خالد من الموضوع إلا أنه لم يستطع ألا يعلق ... قال بلهجة حذرة: بس سوري يعني ... لما باباك بيجى يقعد معانا مبحسش إنه أب .. أول لما بيبتدي يهزر وكده بحس إنه واحد صاحبنا.
أما نيفين فأبدت رأيها قائلة: و إنت أصلا باباك من النوع إللي يقول النكتة و ميضحكش عليها فيضحكك أكتر ..فاهمني؟

رغم أن خالد ونادر أصدقاء من الطفولة إلا أن الود - لأسباب معقدة يطول شرحها- لم يكن له مكان في علاقتهما ولكنهما ليسا أعداء كذلك .... يبدو أن نادر عندما فشلت محاولة إحراج خالد أمام مارك ونيفين وإنقلبت المحاولة لصالح خالد قرر أن يغير الموضوع الذي هو كان أول من اهتم به .. قاطع نيفين بفظاظة : "ما علينا مش هو ده الحوار دلوقتي ... في مشكلة أهم ... حفلة التخرج قربت ومحدش فكر يعمل حاجة..مش في الحفلة نفسها ... أقصد بعديها يعني.. إيه اللي هيتعمل؟".
و لم يدر أحد إن كان خالد يوافق نادر فعلا أم أنها كانت فرصة يستغلها ليتكلم الجالسون في شيء آخر غير أبيه عندما قال: الراجل ده بيتكلم صح جدا على فكرة ...
قالها خالد ثم أشار بالقلم على الورقة التي في يده... كانوا قد نسوا تماما أوراق الكوتشينة و "الجيم" الذي انتهى للتو...ليستكمل خالد: مارك إنت كنت طالب كام لمة؟
قال مارك في مزيج ما بين الفخر والاطمئنان : تلاتة أنا كده مايد.
عادت نيفين إلى الموضوع الأساسي: إنتو المدرسة الوحيدة تقريبا في الدنيا اللي بتعمل حفلة التخرج بتاعتها بعد الترم الأولاني في الكليات ما يخلص.
كان مارك عضو حركة "الماج" هو أكثر طلبة سان مارك معرفة بظروف المدرسة فكان من الطبيعي أن يوضح ما حدث بالضبط: لأ على فكرة ده السنة دي بس حصلتلهم ظروف كده فأجلوا حفلة التخرج ... بصراحة مفهمتش إيه اللي حصل بالضبط بس هو غالبا نفس السبب اللي ناويين يأجلوا علشانه الكيرماس.
قال "نادر" و كأنه تذكر شيئا ما : هو مش "منير إسكندر" هيعمل زي عشا كده بعد الحفلة ما تخلص في سانتا لوتشيا .. الدفعة كلها هتروحها باين؟
أوضح خالد باهتمام: أنا أول مرة يتقاللي الكلام ده.
وقال مارك وهو ينظر إلى خالد ثم إلى نادر: ولا أنا .. لو كان فى حاجة كده كان زماني على الأقل سمعت عنها...إنت مين قالك الموضوع ده أساسا؟
لم يكن نادر يحاول أن يشكك فى شعبية خالد ومارك وسط الدفعة فقال بلهجة معتذرة: محدش قال... بس مش عادة هو ده اللي بيتعمل كل سنة؟
نظر مارك إلى نادر بخيبة أمل ثم أشعل سيجارة قبل أن يقول: ما إحنا مش هنستنى لحد ما حد يعمل حاجة .. افرضوا معملوش ...
نظر نادر إلى مارك وسيجارته باستغراب فهو لم يعتد أن يراه يدخن ... ليس بعد أن طلبت منه صديقته يارا الإقلاع عن التدخين ...لكنه على كل حال سأل: خالد هو إحنا ممكن نروح عندك في شرم؟
نظر مارك إلى نادر بشك عندما نطق تلك العبارة الأخيرة ولاحظت نيفين ذلك لكنها لم تعلق
أجاب خالد بارتباك: مينفعش كان لازم نحجز من فترة ... تايم شير أصله...
ألح نادر: فاضل على الحفلة إسبوعين .. إسبوعين مش كفاية؟...و إحنا أصلا في الشتا.
قال خالد و هو يلوح بيده في غير ارتياح: معرفش هشوف.
و للمرة الثانية فى نفس الدقيقة تطوع شخص ما لتغيير الموضوع و لكن هذه المرة كانت نيفين التي لاحظت اضطراب"مارك" لم تكن تعرف سبب الارتباك بالضبط لكنها ربطته بذكر اسم مدينة شرم الشيخ فقالت : مش لازم حاجة كبيرة ... ممكن تعملوا أى حاجة.
كان خالد قد فقد اهتمامه نسبيا لما يقال : اللي عايز يسكرت يلحق اللمة دي بتاعتي.
قالها ولم ينتظر ردا و رشف رشفة أخرى من الكاكاو الساخن الذي ظنه الجميع قد انتهى.
نظر إليه مارك بطرف عينيه لكنه لم يهتم لما قاله و قرر أن ما يتكلم فيه أهم فأقترح: ممكن نخش سينما.
أضاف نادر ضاحكا: معاكم إنتم؟ انسى يا معلم.
بدا مارك وكأن شخصا ما أهانه عندما أردف معترضا: إيه المشكلة يعني؟
تحولت لهجة نادر من المزاح إلى الشكوى: مبتبطلوش كلام و أنا بتفرج على الفيلم ... و بتيجي على أهم حتة وتقعدوا ترغوا.
أردف مارك في مزيج ما بين الاتهام و الاستخفاف: بجد و الله؟ فكرني بمرة.
أوضح نادر الذى لم يتوقع السؤال: مرة بوظتوا عليا الفيلم وأنا بتفرج؟
قال مارك بإصرار: أيوه.
- لأ كتير.
سكت نادر لفترة و هو يحاول أن يتذكر.
أما خالد فلم يفوت تلك الفرصة لكي ينظر إلى نادر بسخرية ثم ينظر إلى نيفين و مارك و يقول مشيرا بكلامه إلى نادر: أي كلام بيتقال وخلاص.
قال نادر مرتبكا: مش أي كلام أنا بحاول أفتكر اسم الفيلم ..
تنهد خالد ونظر إلى نيفين بملل : نيفين لو تقدري تسيبيلي اللمة دي سيبيها.
سأل مارك خالدا بدهشة: إيه اللي إنت بتهببه ده؟... الجيم لسه أندر… إنت كده هتلبس لمات زيادة.
قاطعهم نادر فجأة بصوت عال وبحماس غير مبرر: "لاك هاوس" ... بتاع ساندرا بولوك و اسمه إيه ده بتاع "ماتريكس"؟
سأله مارك باستخفاف: "كيانو رييفز"…ماشي وبعدين يعني؟
أضاف نادر الذي كان يتوقع ردة فعل أقوى من تلك: وبعدين معرفتش أتفرج .. أولا خالد كان تقريبا مش فاهم أي حاجة من الفيلم وعمال يسألني عن كل حاجة ..
ثم توجه بكلامه إلى نيفين التي بدت الوحيدة المهتمة بما يقول مجاملة ليس أكثر و استطرد: لأ ومارك بقى وعلى اللي عمله في آخر حتة في الفيلم .. مشوفتيش إنتي .. كان فى حتة ساندرا بولوك و التاني ده بيبوسوا بعض فى آخر الفيلم ...
قال خالد بانزعاج لنادر الذي بدا في هذه اللحظة طفلا صغيرا يتعرض للتوبيخ من أبيه: أنا مش فاكر إنت بتتكلم عن إيه؟ بس هو إنت فعلا ناوي تقعد تقول الكلام ده وفي بنت قاعدة؟
و لأول مرة أظهر مارك بعض التعاطف لنادر الذي يتلقى الإهانات من بداية الجلسة فقال مازحا: مين؟ نيفين ؟ دي أرجل مني !!!
كانت "الخروجة" من بدايتها مليئة بالكلام غير المريح و الارتباك و الاضطراب و لكن تلك الجملة الأخيرة ... تلك الجملة التي نطقها مارك بعفوية كانت كفيلة بأن تربك ثلاثتهم ...

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

بصراحه اسخف و ارخم و اكتر روايه قريتها مش مترابطه و لا ليها معنى و لا هدف يمكن عشان انا 30 سنه فا مقدرتش استحمل كم الهيافه اللي فيها