السبت، 27 أكتوبر، 2007

الحلقة الثانية: قراءة هادئة في كتاب التوسل والوسيلة لابن تيمية

قراءة هادئة في كتاب التوسل والوسيلة لابن تيمية

الحلقة الثانية

فصل في المراد بالتوسل بالنبي
صلى الله عليه وسلم

يمضي الشيخ رحمه الله في مسيرته المباركة مبيّنا أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم يراد به أمران شرعيان فالأول هو التوسل بالإيمان به وبطاعته. والثاني هو دعاؤه وشفاعته.
قال رحمه الله: (ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعيين فهو كافر مرتد يستتاب. فإن تاب وإلا قتل مرتدا) انتهى.
قلت: كلامه رحمه الله فيه من الشدة ما فيه لما هو مناسب لعصره. ولكن الآن يجب الرفق بالناس فهذا أوان غربة الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما الأمر غير المشروع فهو التوسل بالموتى وذلك لما فيه من الجهل المركب المبين. قال رحمه الله: (وقد قال تعالى ]قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا[ سورة الإسراء: 56-57.
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح فبيّن الله تعالى أن الملائكة والأنبياء عباد الله. كما أن الذين يعبدونهم عباد الله. وبيّن أنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين.
والمشركون من هؤلاء قد يقولون: إنا نستشفع بهم أي نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا. فإن أتينا قبر أحد طلبنا منه أن يشفع لنا. فإذا صورنا تمثاله –والتماثيل إما مجسدة وإما مصورة كما يصورها النصارى في كنائسهم- قالوا: فمقصودنا بهذه التماثيل تذكّر أصحابها وسيرهم ونحن نخاطب هذه التماثيل ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله. فيقول أحدهم: يا سيدي فلانا أو يا سيدي جرجس أو بطرس أو يا ستي الحنونة (الصحيح لغويا الحنون لأن فعول تصلح للذكر والأنثى ولكن الشيخ هنا ينقل كلام العوام) مريم أو يا سيدي الخليل أو موسى بن عمران أو غير ذلك. اشفع لي إلى ربك)!.
وقال رحمه الله: (ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين. فإن أحدا منهم لم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئا ولا ذكر ذلك أحد من الأئمة المسلمين في كتبهم) انتهى.
وقال رحمه الله: (ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين) انتهى.
وقال رحمه الله: (ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي أنها مستحبة فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين إنها (كذا) من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله. ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان وسبيله من سبل الشيطان) انتهى.
يقول رحمه الله: (قد عُلم بالاضطرار والتواتر من دين الإسلام وبإجماع سلف الأمة وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب. وعُلم أنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين ويستشفعوا بهم لا بعد مماتهم ولا في مغيبهم فلا يقول أحد: يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله (!). سلوا الله أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا)! انتهى.
وقد حرّم النبي صلى الله عليه وسلم ما يفضي إلى الكفر. ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).
قال المحقق: رواه مسلم 532. وذكر جملة غيره.
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). يحذر ما فعلوا. قالت رضي الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره. ولكن كره أن يُتخذ مسجدا.
قال المحقق: رواه البخاري 1390 و4441 ومسلم 529. وذكر جملة غيرهما.
قلت: (يُحذر) بتشديد الموحّدة -الذال ووصفت بالموحدة لأنها بنقطة واحدة- وكسرها.
قال رحمه الله: ( لمّا نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد. فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم والسجود لهم. لأن دعاءهم والسجود لهم أعظم تحريما من اتخاذ قبورهم مساجد) انتهى.
وزيارة القبور صنفين: شرعية وبدعية فالزيارة الشرعية تذكر بالآخرة وهي كما قال رحمه الله: (أن يكون مقصود الزائر الدعاء للميت كما يقصد بالصلاة على جنازته الدعاء له) انتهى.
وقال رحمه الله: (وأما الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج أو يطلب منه الدعاء والشفاعة. أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجْوَب للدعاء) انتهى.
ثم ذكر جملة حكايات من تمثل الجن لبني آدم لفتنتهم.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عِفريتا من الجن جاء يفتك بي البارحة ليقطع عليّ صلاتي فأمكنني الله عز وجل منه فذعتّه أردت أن آخذه فأربطه إلى سارية المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه كلكم. ثم ذكرتُ قول سليمان ]رب اغفر لي وهَب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي[ فردّه الله تعالى خاسئا).
قال المحقق: رواه البخاري 461 ومسلم 541. وذكر جملة غيرهما.
قال رحمه الله: (فمنهم من عصمه الله وعرف أنه الشيطان كالشيخ عبد القادر في حكايته المشهورة حيث قال: كنت مرة في العبادة فرأيت عرشا عظيما وعليه نور. فقال لي: يا عبد القادر أنا ربك وقد حللت لك ما حرّمت على غيرك (!). قال: فقلت له: أأنت الذي لا إله إلا هو؟ اخسأ يا عدو الله. قال: فتمزق ذلك النور وصار ظلمة وقال: يا عبد القادر. نجوت مني بفقهك في دينك وعلمك وبمنازلاتك في أحوالك. لقد فتنتُ بهذه القصة سبعين رجلا. فقيل له: كيف علمت أن الشيطان؟. قال: بقوله لي (حللت لك ما حرّمت على غيرك) وقد علمت أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا تنسخ ولا تبدّل. ولأنه قال: أنا ربك. ولم يقدر أن يقول: أنا الله الذي لا إله إلا هو) انتهى.
قال رحمه الله: (والمقصود هنا أن من أعظم ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان كإخبار عن غائب أو أمر يتضمن قضاء حاجة ونحو ذلك. فإذا شاهد أحدهم القبر انشق وخرج منه شيخ بهيّ عانقه أو كلمه ظنّ أن ذلك هو النبي المقبور. والقبر لم ينشق وإنما الشيطان مثل له ذلك كما يمثل لأحدهم أن الحائط انشق وأنه خرج منه صورة إنسان. ويكون هو الشيطان تمثل له في صورة إنسان وأراه أنه خرج من الحائط) انتهى.
والأدلة في نقض الدعاء والتوسل بغير الله كثيرة منها:
قوله تعالى ]ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون[ سورة آل عمران: 79-80.
وقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه في الحديث الشهير: (إذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) وهو صحيح.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب. وقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون).
قال المحقق: رواه البخاري 6541 ومسلم 220. وذكر جملة غيرهما.
قال رحمه الله: (وكانت عائشة إذا أرسلتْ إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعوا لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله) انتهى.
فانظر رحمك الله إلى الزهد فيما عند الناس حتى ولو كان دعاءً.
قال رحمه الله: (فكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بما شرعه الله من واجب ومستحب فليس بمسلم) انتهى.
قلت: كلامه رحمه الله عسير على أهل عصرنا. والصواب أن نقول الآن: فكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بما شرعه الله من واجب ومستحب فهو مخطىء.
قال رحمه الله كلاما نفيسا نختم به هذه الحلقة: (وأما سؤال الميت فليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب بل ولا مباح. ولم يفعل هذا قط أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. ولا استحب ذلك أحد من سلف الأمة. لأن ذلك فيه مفسدة راجحة وليس فيه مصلحة راجحة. والشريعة إنما تأمر بالمصالح الخالصة أو الراجحة. وهذا ليس في مصلحة راجحة بل إما أن يكون مفسدة محضة أو مفسدة راجحة. وكلاهما غير مشروع) انتهى.

أحمد منتصر
في
شوال 1428

ليست هناك تعليقات: