الأحد، 21 أكتوبر، 2007

الحلقة الأولى: قراءة هادئة في كتاب التوسل والوسيلة لابن تيمية

قراءة هادئة في كتاب التوسل والوسيلة
لابن تيمية

الحلقة الأولى

مقدمة

بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه. فإن كتاب (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) لابن تيمية رحمه الله من أنفس الكتب الإسلامية في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة. أتقن فيه ابن تيمية العرض والتمحيص كعادته بكلمات سهلة ومادة جزلة.
وها نحن نقدمه على حلقات باختصار مخل للغاية للتنبيه إلى كثير من المسائل التي تعرّض لها الكتاب ويثيرها منبهين على عدم جواز استئثار الجماعة السلفية بكتب شيخ الإسلام رحمه الله ذلك أننا وإن اختلفنا عند التطبيق لن نكون إلا مسلمين على منهج أهل السنة والجماعة رحمهم الله وحشرنا في زمرتهم في الآخرة أجمعين. آمين.

مقام النبي الكريم
صلى الله عليه وسلم

يؤصّل ابنُ تيمية في هذه المقدمة قاعدة جليلة ألا وهي مصدر التحليل والتحريم فيقول: (فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله) انتهى.
ثم يؤصّل لقاعدة لا تقل أهمية ألا وهي وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتوسل بذلك: (والإيمان به ومتابعته هو سبيل الله وهو دين الله وهو عبادة الله وهو طاعة الله وهو طريق أولياء الله وهو الوسيلة التي أمر الله بها عباده في قوله ]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة[ سورة المائدة: 35) انتهى.
ثم أكد على مكانة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم جاها من جميع الأنبياء والمرسلين) انتهى.
ثم نبّه على مسألة مهمة ألا وهي استئثار المسلمين بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة فقال: (ولكن الكفار يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في الإيمان. قال تعالى: ]إنما النسيء زيادة في الكفر[ سورة التوبة: 37. فإذا كان في الكفار من خف كفره بسبب نصرته ومعونته فإنه تنفعه شفاعته في تخفيف العذاب عنه لا في إسقاط العذاب بالكلية) انتهى.
مثلما حدث لأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم لمّا شفع النبي صلى الله عليه وسلم فيه فخُفف من عذابه والأحاديث في الكتاب بالتفصيل.
ويجب التنبيه على أنه في الدنيا يجب معاملة أهل الكتاب اليهود والنصارى معاملة أفضل من معاملة الكفرة الأصراف كالملحدين وعبدة الأوثان. فهم بالجملة يؤمنون بالله وبملائكته وإن لم تخل عقائدهم من النظر.
يمضي ابن تيمية رحمه الله في إثبات عدم انتفاع الكفرة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: (ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي). انتهى.
قال المحقق: رواه مسلم 976. وذكر جملة غيره.
وفيه عدم جواز الاستشفاع بأم النبي صلى الله عليه وسلم وتقديسها كما تفعل الصوفية لأنها كافرة.
يقول ابن تيمية: (وثبت عن أنس في الصحيح أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفل دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار) انتهى.
قال المحقق: رواه مسلم 203. وذكر جملة غيره.
وقد أنبأ النبي صلى الله عليه وسلم قريش كلها الأقربين منهم له والأبعدين على أنه لن يغني عنهم من الله شيئا إن لم يؤمنوا ولا يملك لهم من الله شيئا.
ثم قال رحمه الله كلاما مهما جدا: (وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهي نافعة في الدنيا والدين باتفاق المسلمين وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة في زيادة الثواب ورفع الدرجات متفق عليها بين المسلمين وقد قيل إن بعض أهل البدع ينكرها. وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية). انتهى.
والزيدية من طوائف الشيعة وإن كانوا معتدلين عنهم. وبالنسبة لإنكار الشفاعة لأهل المعاصي من المؤمنين فمن منكريها في عصرنا الحديث الدكتور مصطفى محمود في كتابه الشفاعة منذ سنوات.
واستطرد رحمه الله: (وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها وعند هؤلاء ما ثمّ إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب). انتهى.
وهذا خطأ كبير ففي الحياة الدنيا يوجد المؤمن الذي يصلي ويقوم بأركان الإسلام ولكنه يزني أو يسرق فهذا اجتمعت فيه خصال إيمانية وخصال لا إيمانية فلا يستوي بمن لم يجمع من الإيمان شيئا البتة أو من هو أقل منه في الإيمان.
وفي هذا الأمر نكتة أدبية: ذلك أنّ الخير الصرف لا يوجد إلا بقدر والشر الصرف لا يوجد إلا بقدر. والغالب في بني آدم أنهم لا بأخيار ولا بأشرار أصراف. بل يغلب على الإنسان الجمع بين خصال الخير والشر. لذلك كانت الشخصيات الأدبية الصرفة في خير أو شر أقرب إلى الشخصيات الهزلية والتي ينبغي على الأديب اجتنابها في أعماله الجادة.
وبالعودة إلى موضوعنا فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في كثير ممن دخل النار من أمته من أهل التوحيد الذين غلبت سيئاتهم حسناتهم.
وأولا وأخيرا فلا شفاعة بغير إذن الله سبحانه وتعالى الذي قال: ]مَنْ ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه[ سورة البقرة 225.
ولا شفاعة للمشركين عند الله سبحانه وتعالى لذلك أثبت سبحانه تلكم القاعدة في القرآن قائلا: ]قلْ ادعُوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما لهم منهم من ظهير. ولا تنفع الشفاعة عندَه إلا لمن أذن له[ سورة سبأ: 22-23.
قال ابن تيمية رحمه الله: (فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون: هؤلاء خواص الله فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا. كما يُتوسَل على الملوك بخواصهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة) انتهى.
وقد أطال شيخ الإسلام رحمه الله في الكتاب في المسألة السابقة ولا مجال هنا لبسطها.
قال رحمه الله: (هذه أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم وحسم مادتها وسد ذريعتها حتى لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجدَ يصلى فيها وإن كان المصلي فيها لا يستشفع بهم. ونهى عن الصلاة إلى القبور. وأرسل علي بن أبي طالب فأمره أن لا يدع قبرا مُشرفا إلا سوّاه ولا تمثالا إلا طمسه ومحاه. ولعن المصوّرين). انتهى.
ما قاله رحمه الله ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف. ولكنّ الخلاف في تأويل هذه النصوص. في قوله (ولعن المصوّرين) أقول: التصوير أصناف: فهناك التماثيل المجسّمة وهذه لا تجوز بالاتفاق. وهناك الرسومات فإن كانت لذي روح لم تجز. وإن كانت لغير ذلك جازت. وكذلك تأخذ نفس حكمها الصور الفوتوغرافية على خلاف بين العلماء المعاصرين بشرط ألا تعلّق..فإن علقت لم تجز بالاتفاق.

أحمد منتصر
في
رمضان 1428

ليست هناك تعليقات: